24/02/2024
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ( يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تسأءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ( يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما أما بعد عباد الله إن الله سبحانه وتعالى قدر المقادير وقسم الأرزاق ، وكتب الآجال ، وجعل عباده متفاوتين في ذلك قال تعالى ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما ءاتاكم ) وكل ما في الكون من حركة وسكون بمشيئته وإرادته ، وهذه الدنيا هي دار ابتلاء وامتحان والله يبتلي عباده بالسراء والضراء قال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) وإن من الإبتلاء ظهور الغلاء وإرتفاع الآسعار لأما له من آثار سيئة تلحق بالفرد والمجتمع وقد أولت الشريعة الإسلامية التجارة والتجار عناية كبيرة ، فبينت ضوابط وأحكام البيع والشراء وأباحت الربح الحلال ، وجعلت السعي في الأرض وطلب الرزق الحلال مع النية الصالحة عملا صالحا ، وحذرت من التعسف والجور والظلم والجشع والآنانية وإستغلال حاجات الناس وأمرت الشريعة الإسلامية بالتيسير والتسهيل دون العنت والمشقة على الناس بل جعلت هذا بابا عظيما من أبواب الرحمة والإحسان وفي الوقت الراهن يا عباد الله نرى كثيرا من التجار مستغلين قرب شهر رمضان المبارك قد قاموا برفع أسعار أغلب المواد والسلع بشكل مريب دون مبرر سائغ سواء ارتفاع أسعار تلك السلع من مصدرها أو ارتفاع الدولار وقد حذر الرسول صل الله عليه وسلم من أكل الحرام وقد يأتي المال الحرام بسبب المغالاة التي منطلقها الجشع والاستغلال قال صل الله عليه وسلم ( كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ) ومما حرمته الشريعة السمحة ما يكون حماية للمستهلك من النجش وهو الزيادة في قيمة السلعة ممن لا يريد شراؤها ، وكذلك حرمت الشريعة تلقي الركبان خارج الأسواق ، لإن ذلك مآله إلى غلاء الأسعار ،ومما حرمت الشريعة أيضاً إنفاق السلعة بالحلف الكاذب وأخبر النبي صل الله عليه وسلم أنه محق للبركة . فيَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ... يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! بِهَذَا النِّدَاءِ رَفَعَ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَوْتَهُ، فَاشْرَأَبَّتْ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ، وَأَحْدَقَتْ نَحْوَهُ الْأَبْصَارُ فَقَالَ: "إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ" "فتَذَكَّرْ -يَا مَنْ حَبَاكَ اللَّهُ الْمَالَ- أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْتَظِرُكَ إِذَا عَامَلْتَ عِبَادَ اللَّهِ بِمَبْدَأِ الْمُسَامَحَةِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى" "فمَا عَرَفَ السَّمَاحَةَ وَاللَّهِ... مَنِ اسْتَغَلَّ طَنِينَ غَلَاءِ الْأَسْعَارِ، فَرَفَعَ سِلْعَتَهُ مُجَارَاةً لِغَيْرِهِ بِلَا مُبَرِّرٍ، فَكَانَ بِجَشَعِهِ وَطَمَعِهِ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ الْهُمُومِ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُحْتَاجِينَ. وَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "مَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ" فتَذَكَّرْ أَخِي التَّاجِرَ الْمُسْلِمَ:أَنَّ إِرْخَاصَ السِّلَعِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَوَضْعَ الْإِجْحَافِ بِهِمْ وَتَرْكَ اسْتِغْلَالِهِمْ... أَمَارَةٌ عَلَى رَحْمَةِ قَلْبِ صَاحِبِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمَوْعُودُونَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِالْبَرَكَةِ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَالسِّعَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالتَّوْفِيقِ فِي حَيَاتِهِمْ.لِتَكُنْ هَذِهِ الْمُغَالَاةُ -أَخِي التَّاجِرَ- مَحَطَّةً تُرِي رَبَّكَ فِيهَا مِنْ نَفْسِكَ خَيْرًا، وَتَشْتَرِي سِلْعَةَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْمُعَانَاةِ عَنِ الْبَائِسِينَ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ يَعْظُمُ فَضْلُهَا وَيَكْثُرُ أَجْرُهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.… فاتقوا الله يا تجار في أمتكم، (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)، ولا تكونوا معول هدم في المجتمع، وعودوا إلى رشدكم ف(ما عند الله خير وأبقى)، لماذا لا تكونوا كذلكم التاجر الذي كان يتجاوز عن ديون المعسرين حتى يتجاوز الله عنه، هذا التاجر الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم أسوة حسنة، جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) تجاوز الله عن سيئات هذا التاجر لأنه كان يتجاوز عن ديون المعسرين، غفر الله له ذنوبه بذلك،ألا تريدون أن يغفر الله لكم.نحن لا نريد منكم أن تتجاوزوا عن حقوقكم، ولا نريد أن تبيعوا مجاناً، ولا نريد أن تتجاوزوا عن دين المعسرين من زبائنكم، لكننا نريد منكم الرحمة، والنظر إلى الناس بعين الإحسان والشفقة، لعل الله تعالى يتجاوز عن سيئاتكم، إنه على كل شيء قدير.أقول ماسمعتم واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا عباد الله: علينا أن نؤمن أنّ الغلاءَ هو ابتلاءٌ من الله -جلّ وعلا- يبتلي به عباده، خاصّةً إذا رأى منهم افتتانًا بالدّنيا ولهفةً عليها وإعراضًا عن الآخرة، فربّنا –سبحانه- يبتلي عبادَهُ ببعضِ البلايا لكي ينتبهوا ويُراجعوا أنفسَهُم.ها نحنُ نرى حبَّ النّاس للمال وحرصَهم على كسبه ولو من طريق الحرام، فذاكَ أمرٌ لم ينجُ منه في وقتنا إلّا من أدركته رحمة الله ولطفه، ترى التّاجر من حبّه للمال يحتكرُ السّلع ويستغلّ الأزمات بل ويفتعلُها، وترى العامل من حبّه للمال لا يُبالي من أين اكتسبه؟، وفيم أنفقه؟!، وصدَقَ الله القائل: ((وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا)). فإذا رأى اللهُ من عباده هذا التّعلّق الشّديد بالدّينار والدّرهم، عاقبَهُم بالغلاء حتّى يتعلّقوا ببابه وحده –سبحانه-.وحبّ المال والافتتان بالدّنيا هو ما خشيَهُ علينا نبيّ الرّحمة -صلّى الله عليه وسلّم- حين قال: "وَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" وقال -عليه الصّلاة والسّلام-: "أَلَا إِنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ" وكان –صلوات الله وسلامه عليه- يَقُولُ: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ" عباد الله: والغلاءُ ابتلاءٌ من الله يبتلي به عباده إذا رأى منهم إسرافا في الذّنوب والمعاصي وبُعدًا عن دينِهِم، ومعلومٌ أنّ الذّنوب سببُ هلاك الحرث والنّسل، وسببُ انتشار الفساد في البرّ والبحر، قال -تعالى-: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))، يقول الإمام القرطبي مفسّرا هذه الآية: "أي ظهر قلّةُ الغيث وغلاءُ السّعر بما كسبت أيدي النّاس" إهـ.فعلى المُسلم أن يعلم يقينًا أنّ المعاصي والذّنوب هي أصلُ كلّ داء، وسببُ كلّ بلاء، ومصدرُ كلّ وباء، وطريقُ كلّ حرمان وشقاء، يقول الإمام ابن القيّم -رحمهُ الله-: "إنّ الذّنوب تزيلُ النّعم ولا بدّ، فما أذنبَ عبدٌ ذنباً إلّا زالت عنه نعمة من الله بحسَبِ ذلك الّذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلُها، وإن أصرّ لم ترجع إليه، ولا تزالُ الذّنوبُ تزيلُ عنه نعمةً حتّى تُسلَبَ النّعَمُ كلّها" عباد الله: الغلاءُ ابتلاءٌ من الله يبتلي به عباده إذا رأى منهم كُفرًا بالنّعم، إذا رأى منهم تبذيرا وسرفا وتنافسًا في المظاهر وتسابقا إلى الكماليّات، إذا رأى منهم إنفاقُا وصلَ بكثير من النّاس إلى حدّ البطر، وليس هناك أسرع عقوبة من البطر، يقول ربّنا -سبحانه-: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا))، وقد تحدث القرآن عن القريَة التي: ((كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ))، ونحن نرى الخوفَ حتّى من أن يرتفعَ سعرُ المادّة الفلانيّة، أو أن لا توجَـدَ في السّوق.عباد الله: صحيحٌ أنّ الغلاءَ يصنعُه سارقوا قوتِ الشّعوبِ من التجار، وصحيحٌ أنّ سببَه مُفتعِلِي الأزمات وظالمي المُستضعفين، وأولئك سيلقون جزاء أفعالهم في الدنيا قبل الآخرة، أمّا ما ينتظرهم هناك فلا يعلم مدى فضاعته إلا الله سبحانه، لكنّ أولئكَ أيضا.. ما هُم إلّا نتيجة لكفر النّعم، أولئك.. ما هُمُ إلّا سَوْطُ الله -تعالى- على أهل البطر، فالله –تعالى- يُسلّطُ من يشاءُ على من يشاء عقوبةً لهم، قال -جلّ جلاله-: ((وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ))، وفي الأثر: "الظّالمُ سوطُ الله في الأرض، ينتقمُ به، ثمّ ينتقمُ مِنْهُ". نسأل اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ، وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين