05/11/2021
{{{معركة اليرموك }}}☆☆☆☆☆
اليوم السادس
لم يُرى ضرار في إشتباكات الخيالة ، هذا الصباح ، لقد إفتقد المسلمون المحارب عاري الصدر ، الذي كان يصول ويجول ، في المعارك الطاحنة ، فأين هو ؟ ، لقد إدخره خالد لعمل أخر ، في أثناء ذلك ، كان الأرمن يقاومون ببسالة محاولات شرحبيل وعمرو لسحقهم ، واستطاع لواءا المسلمين ، إحراز بعض التقدم ، كما أن أبو عبيدة ويزيد يهاجمان في مواقعهم ، والتفت خالد الأن إلى الأرمن ، بعد آن طرد خيالة الروم ، من ميدان المعركة ، فهجم عليهم من المؤخرة ، وأمام الهجوم ذي الثلاث شعب ، إنفرط عقد الأرمن ، وتركوا مواقعهم وهربوا باتجاه جنوب غرب ، وهو الاتجاه المفتوح لهم ، انظر خريطة 25 .
ولقد دهشوا لأن خالية المسلمين ، لم تتدخل في عملية انسحابهم ، وكان بمقدورهم أن يفعلوا ذلك ، ولكن الروم لم يعلموا ، أن هذا الإتجاه ، هو ما أراده خالد أن يسيروا فيه ، وعندما إنهار جيش الأرمن ، واختلط بشكل فوضوي ، بفلول جيش قناطير السلافي ، فروا باتجاه وادي الرقاد ، وأيقنت جيوش الروم المتبقية ، عدم الفائدة من بقائها ، لأن مجنبتها ومؤخرتها ، أصبحت مكشوفة تماماً ، ولذلك بدأت هي أيضاً في الإنسحاب ، واتخذت طريقها نحو الغرب ، ولم يتم اعتراضها من قبل المسلمين •
ولم تكد الشمس تصل إلى كبد السماء ، حتى كانت مشاة الروم في تراجع تام ، وقد فر جزء منها بذعر ، وانسحب الجزء الأخر ، باتجاه وادي الرقاد ، وسارت الوية المسلمين ، خلف الروم المنسحبين ، في صف واحد ، وبدون فواصل ، وتحركت خيالة المسلمين ، إلى شمال جيش الروم ، لكي لا يهرب أحد ، وبذلك تم إغلاق طريق الهروب ، مازال خالد يبدع ، في إحكام الحلقه الفولاذية ، حول أعدائه ، عندما هرب الروم من ميدان المعركة ، كان همهم الوحيد ، هو ترك مسافة كبيرة ، بينهم وبين المسلمين ، فعبروا مخاضة كانت في وادي الرقاد ، وبدأوا في الصعود إلى قمه مرتفعة ، لها طريق واحد ضيق ، وعلى يمين ويسار الطريقة هوة عميقة وخطرة ، وما إن وصلوا إلى القمه .
حتى برز لهم ضرار بن الأزور ، مع مجموعة من رجاله ، يغلقون طريق الهروب ، ففزع الروم ، إنه المحارب الشرس عاري الصدر ، وفي الحال إنهمرت رشقه من الحجارة على الروم ، كانت الحجارة تهبط من القمة على المنحدر ، كأنها موجة عارمة ، تعصف بكل من تقابله ، وحاول عدد قليل منهم ، تفادى هذا الطوفان ، ولكنهم قتلوا على الفور ، وتراجعت العناصر التي كانت في الأمام ، ووقعت على الرجال الذين كانوا في الخلف ، وكبر حجم الموجة ، واختلط الروم بالحجارة ، نعم موجة ، وقودها الروم والحجارة ، تدك عظام الهاربين ، ثم نزل إليهم ضرار في عمق الوادي ، وهجم عليهم بشكل عنيف وشرس ، وحوصر الروم مرة أخرى ، ضرار من الأمام ، والمخاضة من الخلف ، ونهر اليرموك على ميمنة الروم ، ولن أسرد ما حدث ، فأنتم أدرى مني بضرار ، وبعد ظهر اليوم السادس ، بدأت المرحلة الأخيرة من هجوم المسلمين ، وقد تبقى ثلث جيش الروم فقط ، في هذه الزاوية المزدحمة من سهل اليرموك .
وكان يقف أمام هذه الزاوية ، المسلمون على شكل ، نصف دائرة ، وكانت المشاة ناحية الشرق ، والخيالة في الشمال ، كانت قوة المسلمين هنا ، أقل من ثلاثين ألف ، لقد إنتهى الآن وقت المناورة ، لقد وضع خالد جنوده في أفضل وضع ، وزج بأعدائه إلى أبواب الجحيم ، نعم إنتهت مرحلة المناورة والقيادة ، وبدأت مرحلة المجزرة والإبادة ، والأمر متروك للجنود ، لكي يقاتلوا وينتصروا ، واستل القادة سيوفهم ، وأصبحوا محاربين ، أسود الصحراء تتهيء للضربة الأخيرة ، واستخدم المسلمون الرماح والحراب والسيوف ، ضد الكتلة البشرية المضطربة ، الواقفة أمامهم ، وكان الروم في بعض الأماكن ، محتشدين بكثافة ، لدرجة أنهم لم يستطيعوا إستخدام أسلحتهم ، لكن الصفوف الأمامية ، قاتلت بشجاعة ، لفترة بسيطة من الوقت ، ثم إنهارت مقاومتهم ، وبدأت صفوف الروم تتأكل ، الواحد تلو الأخر .
بينما كان المسلمون يتقدمون ، عبر هذه الصفوف ، وهم يحصدون الروم بكل عنف وضراوة ، وتدافع الروم وهم يهربون ، فقتل بعضهم بعض ، إما بالسيف أو دهساً بالأقدام ، ثم إنضمت مفرزة ضرار إلى خيالة المسلمين ، وبدأ الضغط على الروم بشكل أكبر ، ودفعهم باتجاه الزاوية ، وأخذ فرسان خالد يطؤون الروم ، بقوائم خيولهم وحوافرها ، واختلطت صرخات الروم ، بصيحات المسلمين ، تكبيرات المسلمين تملئ القلوب والأسماع ، وترج الأصداء ، وتحولت المعركة إلى مجزرة ، وكابوس من الرعب ، ووصل الروم الذين كانوا يتراكضون ، كقطيع من الماشية ، إلى حافة وادي الرقاد ، وكان المنظر مخيفاً في أسفل الوادي .
وكان هذا آخر هجوم للمسلمين ، وقد ضغط الذين جاءوا من الخلف ، على الموجودين عند حافة الوادي ، وبدأت صفوف الروم تسقط في الهاوية ، الواحد تلو الأخر ، بل العشرات ، بل بالمئات ، جيش السلاسل يلعن ما هو فيه ، الجنود يضربون السلاسل بالسيوف ، يود أحدهم أن يقطع أطرافه قدم وساق ، حتى يتحرر من سلاسل الموت ، وصرخات المتدحرجين تنخلع منها القلوب ، وتستمر حتى تصل أسفل الوادي ، وامتلئ الوادي بالقتلى والدماء ، وعندما توقف أخر روماني عن الحركة ، كان الليل قد أرخى سدوله .
وبذلك إنتهى هذا اليوم الرهيب ، وانتهت معه أعظم معركة خاضها خالد بن الوليد ، وفي اليوم التالي ، بينما كان باقي الجيش يجمع الغنائم ، ويدفن الشهداء ، إنطلق خالد الذي لاينام ولايدع احد ينام مع خيالة الجيش ، على الطريق المؤدي إلى دمشق ، لمطاردة ماهان القائد المهزوم ، وظفر به خالد في الظهيرة ، قبل دمشق ببضعة أميال ، وعلى الفور تعامل خالد ، مع حرس مؤخرة الروم ، وهرع ماهان للخلف ، ليشرف على المعركة ، ولكنه قتل على يد أحد فرسان المسلمين ، وبعد موته مباشرة ، تفرق الروم إلى مجموعتين ، هربت إحداهما إلى الشمال ، والثانية إلى الغرب .
وخرج أهالي دمشق لتحية خالد ، ليؤكدوا له أنهم على العهد ، وعاد خالد إلى سهل اليرموك ، في اليوم التالي ، كانت معركة اليرموك ، أكبر كارثة حلت ، على الإمبراطورية الرومانية الشرقية ، حيث أنها أنهت حكم الرومان ، في بلاد الشام ، وفي الشهر التالي ، غادر هرقل عظيم الروم ، أنطاكية إلى القسطنطينية ، من المعروف أن المسلمين ، فقدوا في هذه المعركة ، أربعة ألاف شهيد ، وكان المصابين أكثر من الذين لم يصابوا ، وفقد أكثر من سبعمائة مسلم ، عيناً واحدة ، لكن الله منّ عليهم بالنصر ، وثأروا لشهداء المسلمين ، نم قرير العين يا عكرمة ، ويا كل شهداء المسلمين ، وكانت خسائر الروم ، على تقدير الطبري ، مائة وعشرون ألف ، وحسب رواية إبن إسحاق سبعون ألف ، وهذا الرقم هو الأقرب للصحة ، وهو ما يعادل خمسة وأربعون في المائة من قوات الروم ، فالحمد لله ، على ما كتب علينا وقدر ، والحمد لله أن كان فينا ، البطل المغوار ، سيد الحرب ، وصديق الموت الذي له جرأة الأسد وأنآة القط ، أبي سليمان ، سيف الله خالد بن الوليد ......
الأن في العراق تحتدم معركة القادسية