10/17/2025
تاريخ السودان المنسي ومتى كان السودان دولة واحدة ؟
محمود جودات .
في هذه السطور سوف أتعرض للازمة السودانية في ما يخص جذور المشكلة المجتمعية وتبعاتها المؤثرة في حياة الفرد والمجموعات القبلية المختلفة تلك المؤثرات هي العامل الأساسي التي أدت إلى إعاقة الانسجام والتجانس الحسي بين جميع المجتمعات السودانية وخلقت التنافر بين المواطنين وحققت عدم وجود وحدة وجدانية بين مكونات الشعب السوداني وتفكير جمعي موحد نحو الوطن وانعدام ما يعرف بالغيرة الوطنية الجامعة في حب الوطن . ويرجع ذلك التفكك المجتمعي إلى عوامل هامشية في تخلق الوطن منذ نشئته الأولية في عهود ما قبل الاستعمار وما طرى عليه بعد دخول الاستعماريين إلى السودان بأدواتهم المسيطرة على الشعوب باستلاب إرادة الشعوب منها الفكرية والقمعية وفرض السيطرة على كل القبائل السودانية اي المجتمعات السودانية والتي كانت عبارة عن مكونات قبلية الافريقية منها وهي الاصل والغالبية العظمى على أرض السودان شماله وجنوبه وشرقه وغربه وغيرهم من الوافدين إلى السودان من اعراق اخرى تزمن دخولها السودان مع دخول الاستعمار او توافدت مع دخول المستعمرين حيث كان إنسان السودان بشكله القديم في حالة إنسان خام يعيش على فطرته كإي مادة خام قابلة للتطويع والتشكيل وعلى هذا النهج كانت الحقب الاستعمارية التي احتلت السودان اكثر مؤثر سالب في تشكيل مجتمعات السودان الحديث وما بعد انهيار الممالك السودانية القديمة ( موري والمقرة وسويا) . الحقب الاستعمارية استغلت سذاجة المجتمعات السودانية إلى أقصى حد لتبني بها مصالحها الخاصة في كل النواحي الحياتية وجرت عملية تطويع الإنسان السوداني لدرجة جعلته اكثر البشر خنوعا لرؤسائه في الجيش وبقية التنظيمات العسكرية والإدارية وغيرها من مسيرات الادارة المدنية والعسكرية . وعلى الرغم من دخول الأتراك السودان كغزاة عن طريق مصر إلا ان الثقافة العربية كلغة تخاطب مشتركة بين المجتمعات السودانية بسطت سيطرتها على المشهد السوداني واصبحت العامل القوي الذي عمل علي تعريب المجتمعات السودانية الناطقة بلغاتها الافريقية المحلية وذلك يرجع إلى ناحية مهمة في تكوين الثقافة اللغوية العامة للشعب السوداني التي انتشرت في كافي مناحي الحياة ومن المعروف ان لغة التجارة وتبادل المصالح بين جميع من تواجدوا في السودان والدخلاء كانت هي اللغة العربية. الأتراك في عهد الدولة العثمانية لم يتركوا اثر للغة التركية في اي دولة عربية او إفريقية لسبب بسيط اللغة العربية تحتمي بالديانات السماوية واعتناق الناس للإسلام او حتى المسيحية يلزمهم تعلم اللغة العربية ومن هنا اتى تعريب شعوب السودان الأصلية جميعها وتم تهميش لغاتهم الاصلية ومن هنا حاصرت الثقافة العربية لغة ومحاكة ثقافات الشعوب السودانية الإفريقية المتعددة اللغات والثقافات مما أضعف تواجدها حتى لدي شعوبها الأصليين. حقب الاستعمار تعاملت مع مكونات السودان بأوجه متعددة منها مقربين لهم ومنهم أمثال الذين من ذوي البشرة البيضاء او القمحية وهم من أصلاب الوافدين الأتراك والمصريين والإنجليز . ومنهم محتقرين أمثال اسياد البلد من ذوي البشرة السوداء ( السودانيين الاصليين ) النوبة والفور والبجة والجنوبيون وكل المخدرين من الأصول الافريقية ومن هنا تعمقت الفرقة والعنصرية التي يمارسها بعض ابناء الوسط والشمال. وفي ذلك تواجدت تناقضات كثيرة بين المجتمعات السودانية أفرزتها تلك الحقب الاستعمارية واسست للعنصرية المنشرة في السودان والأخطر ما فيها افراغ المجتمعات من صفة الغيرة الوطنية ولأنها كانت في الاساس مجرد مكونات محتمعية متفرقة يقوم كل مجتمع بما يهمه في شئون حياته منفصل عن الآخرين مثلا الطوائف الدينية تحكمها العقيدة وتكون حاكميتها على من يرتضونه حاكم لهم شيخ الطريقة او امام وغيره وهكذا سائر الامم السودانية مستقلة عن بعضها.
دخل الأتراك السودان في عهد الدولة العثمانية عن طريق والي مصر محمد على باشا وأخذ في توسع سلطانه بغزو السودان عام ١٨٢٠م ثم استمر التوسع التركي حتى اكتمل في العام ١٨٢١م سيطرت الدولة العثمانية على كامل اراضي السودان لأهداف استراتيجية أهمها:
١ / الحصول على الثروات ومنها الذهب
٢ / جنيد السودانيين لتقوية الجيوش التركية واستخدم المجندين السودانيين في الخطوط الأمامية لحماية الأتراك والمصريين
٣ / فتح ابواب تجارة الرقيق وكان السودان وقتها عبارة عن دويلات قبلية صغيرة ومشايخ طائفية كما ذكرنا آنفا.
وعلى الصعيد العسكري سقطت مملكة سنار والمشايخ التابعة لها وسقطت مملكة الشابقية وانضم جيشها إلى جيش الاتراك وكثير من التجمعات القبلية التي كانت تشكل مجموعات منفصلة عن الآخرين في دارفور وكردفان وأماكن كثيرةً أخضعت لسلطة الأتراك مما كان يعني السودان لم يكون بشكله الطبيعي ليكون دولة واحدة وشعب واحد، ولقد كان فقط القاسم المشترك بين كل القبائل السودانية هو التواجد على الارض الواحدة ومنهم أصليون واصحاب ممالك عظيمة لها تاريخ عريق وهم الشعوب النوبية ومنهم من وفد إلى السودان من دول الجوار ومنهم من دفعتهم الحروب للهجرة إلى بلد امن . هذا جزء من تاريخ السودان بما يعرف بالحكم التركي المصري خلال الدولة العثمانية.
نرجع إلى مقولة البطن بطرانة !!!!
لا نريد ان نصف بعض مواطني السوداني بوصف لا يليق ولكن نبرة الشتائم من ابناء الدخلاء في السودان مهينة لكرامة إنسان السودان الحر أبا عن جد وما يصدر من توصيف الآخرين بالعبيد له مدلولات سالبة على من يفعلها وهي رد فعل عكسي لما يعاني منه الفاعل من الم داخلي استحكم في فكره فيريد ان يبرىء نفسه ويطيبها بميزة العلو والامتياز على حساب الآخرين . نقول ليس هناك عبيد في السودان الآن وخصوصا بين المواطنين الأصليين بل يوجد على الأرض مواطن اصلي يسكن على ارضه وأرض اجداده ولا يجوز لاحد ان ينعته بكلمة عبد لانه حر وابن احرار.
المنشور (١)